وإذا أخذنا هنا صحيفتي الأهرام والمصري اليوم كمثالين, فإن ذلك الانطباع يبدو صحيحا تماما. فالأهرام, صبيحة يوم الثلاثاء25 يناير2011, كان يغطي صفحتها الأولي بالكامل تقريبا حديث وزير الداخلية( في حينها) حبيب العادلي مع الصحيفة, وهو يقدم تفسيراته للحوادث الإرهابية التي وقعت قبلها, وعزاها كلها إلي أصابع وجهات أجنبية وتنظيم القاعدة, خاصة حادث الهجوم علي كنيسة القديسين في الإسكندرية.
وعندما يوجه إليه السؤال: بعض القوي دعت إلي تظاهرة اليوم, كيف تري هذه الدعوة في يوم الاحتفال بعيد الشرطة.. ويجيب العادلي.. هذه الدعوة علي الفيس بوك تأتي من شباب, وأطالب المثقفين بضرورة توعية هؤلاء لحب بلدهم.. فكيف لشاب يخرب وطنه؟, فالشباب ونزولهم للشارع ليس له تأثير.., الأمن قادر علي ردع أي خروج, وأي مساس بأمن مواطن أو ممتلكات خاصة أو عامة لن نتهاون فيه علي الإطلاق! أي أن الرجل لم يكن يتصور علي الإطلاق أن تلك المظاهرات من الشباب, بعد48 ساعة من حديثه, سوف تتحول إلي حركة جماهيرية هائلة, تكتسح أمامها كل قوات الشرطة في أيام قليلة. أما المصري اليوم, فكانت أكثر متابعة للوقائع, وتحدث المانشيت الرئيسي لها عما جري من بروفة مبكرة ليوم الغضب, شملت12 محافظة وعن أن القوي السياسية أنهت استعداداتها للمظاهرات. فضلا عن أنباء عن أربعة مواطنين حاولوا الانتحار, احتجاجا علي الأوضاع العامة, واستنكار رئيس الوزراء أحمد نظيف- لهذا السلوك. غير أنه يلفت النظر أيضا إشارتها إلي احتفال أربع جهات حقوقية متضامنة مع الشرطة, تشكر رجالها ووزيرها علي جهوده وعلي هتافها.. اضرب اضرب يا حبيب.. اضرب اضرب من حديد!!
غير أن هذا المشهد الظاهري, الذي عكسته صحف صباح25 يناير, كان مختلفا جذريا عن مشهد آخر جري التحضير له علي قدم وساق منذ عدة أسابيع سابقة علي أيدي مجموعة من أفضل شباب مصر, تواصلوا فيما بينهم مباشرة, وعبر موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك, اختاروا أن يكون احتجاجهم علي السلوك المشين للشرطة في تعاملها المهين مع المواطنين والذي تبدي بوضوح في حادث مقتل الشاب السكندري خالد سعيد- من خلال مظاهرة كبيرة في نفس يوم ز س25!
لم نكن في حزب الجبهة الديمقراطية- بعيدين علي الإطلاق عن أولئك الشباب. فبعضهم هم من أبناء الحزب( شادي الغزالي, وأحمد عيد, وعمرو صلاح الدين, وناصر عبدالحميد... إلخ). أما الآخرون, فقد تعرفت عليهم في مناسبات كثيرة, أهمهما مناسبتان, الأولي في يناير2010 عندما ذهبت صباح الجمعة15 يناير2010 إلي نجع حمادي( ضمن وفد من أحزاب المعارضة) للتعزية في ضحايا الحادث الإرهابي المشين الذي وقع قبلها بأسبوع (ليلة عيد الميلاد مساء الخميس6 يناير) ولحقنا للمشاركة في التعزية-20 شابا أقلهم القطار من القاهرة ليتلقفهم بمجرد وصولهم إلي محطة نجع حمادي رجال أمن الدولة, ويأخذوهم للاحتجاز في مديرية أمن قنا طوال اليوم, قبل أن يبدأ استجوابهم مساء اليوم بتهم إثارة الفتنة وتعطيل القوانين والإثارة!! الأمر الذي اضطرنا إلي التخلي عن مهمة الزيارة, والتفرغ للإفراج عن هؤلاء الشباب, وكانوا من القاهرة( أحمد بدوي, وطلعت الصاوي, وأحمد مصطفي, ووائل عباس, وباسم فتحي, وباسم سمير, وناصر عبدالحميد, ومحمد خلف, وشريف عبدالعزيز, ومحمد عبدالله, ومصطفي النجار, وحسام صابر, وإسراء عبدالفتاح, وشاهيناز صلاح, وأميرة الطحاوي, وماريان حنا, ورؤي غريب, وسلمي عقل, ونادية الزيني باروني). ومن الإسكندرية: إسماعيل عمر. ومن سوهاج: خالد محمود, والحسيني سيد أحمد, ومحمد حمدي, وطارق صبري, ومني فؤاد. ومن نجع حمادي: بولا أمين, وجمال إبراهيم, وأحمد فتحي. وليس مصادفة علي الإطلاق أن تلك النخبة من الشباب كان معظمهم مع غيرهم- في قلب التشكيلات التي تبلورت في الفترة القليلة السابقة علي الثورة, أي حركة6 أبريل, وكلنا خالد سعيد, ثم مجموعتي الحملة الشعبية لدعم البرادعي فضلا عن شباب الإخوان, واليساريين, وهي الحركات التي شاركت في التحضير للثورة, وشد ملايين المصريين إليها.
أما المناسبة الثانية للتعرف علي أولئك الشباب, فكانت عندما استقبلنا في حزب الجبهة في أواخر عام2010 في توقيت لا أتذكره بالضبط- مجموعتي الحملة الشعبية لدعم البرادعي للتوفيق بينهما, وتوحيد جهودهما.
في هذا السياق, أنتهز تلك الفرصة للتشديد علي أهمية وجود جهد قومي علمي ومنظم للتأريخ للثورة, وتسجيل وقائعها بدقة, خاصة أنها حدثت ليس فقط في عصر الإنترنت والتواصل الاجتماعي غير المسبوق عبر الشبكة العنكبوتية, وإنما أيضا في عصر أتاح كاميرا في يد كل مواطن, بما يمكن بالقطع من تسجيل دقيق, ليس لكل يوم, وإنما لكل لحظة في الثورة, وتوصيف دقيق للمشاركين فيها وأدوارهم. ومما يحتم القيام بذلك الجهد ويكشف أيضا عن صعوبته وتعقيده- أن ثورة25 يناير في مصر كانت نموذجا فريدا لثورة شعبية كاملة بمعني الكلمة, يستحيل تماما الحديث عن مجرد قيادة فرد أو مجموعة أفراد لها, بل هي بالأخري شبكة واسعة من العلاقات والتجمعات المتعددة والمعقدة والمتداخلة, استطاعت في لحظة عبقرية- أن تسدد ضربة قاصمة إلي نظام قمعي, لم يصمد أمامها أكثر من18 يوما!! إنها من هذه الزاوية, وكما أكد البعض- أول ثورة إلكترونية بمعني ما. ولقد قرأت أخيرا بعض ما كتبه باحثون ومشاركون في تلك الثورة, مثل د. عمار علي حسن, وزياد العليمي, وأحمد ماهر(المصري اليوم:17-19 يناير), وهي كلها شهادات قيمة, ولكنها ليست إلا غيضا من فيض ما ينبغي أن يكتب ويسجل, وهو كثير ومعقد ومتشابك.
أما بالنسبة لي شخصيا, فإن25 يناير2011 كان أيضا يوما مفعما بالمشاعر, مثلما كان مليئا بالأحداث العظيمة. فلقد كنت مضطرا للذهاب للأهرام مبكرا لأستكمل نقل محتويات مكتبي هناك إلي المنزل, تنفيذا للقرار الذي كان قد صدر في الثلاثاء الأسبق-18 يناير بإيعاز من جمال مبارك- بإنهاء خدمتي كرئيس تحرير للسياسة الدولية علي نحو مفاجئ! كنت ألملم حاجياتي, وأنا أتابع بقلق أخبار تحركات الشباب في شوارع مصر, الذين كان يفترض تلاقيهم في التحرير بعد ساعات قليلة. غير أنني لم أطق البقاء طويلا في مكتبي, ونزلت ليقلني تاكسي إلي أقرب مكان للمظاهرة التي كانت قد وصلت إلي شارع التحرير, متقدمة إلي كوبري الجلاء في الطريق إلي كوبري قصر النيل, ثم ميدان التحرير, وتقابلت هناك مع زوجتي وسط آلاف المتظاهرين الذين كانوا قد ثبتوا مكانهم فوق كوبري الجلاء- في مواجهة عشرات من صفوف الأمن المركزي المتراصة أمامهم, وطلب مني المتظاهرون أن أتحدث باسمهم مع أحد اللواءات الذين كانوا علي رأس قوة الشرطة, وطلبت منه وسط الضغط والزحام الخانق- أن يسمح للمظاهرة بالمرور, فهي مظاهرة سلمية للتعبير عن الرأي! فما كان منه إلا أن طلب أن يذهب لاستفسار رئيسه ثم يعود لي, ولكنه لم يعد, وإنما بدأت قوات الأمن في الضغط علي المتظاهرين لإجبارهم علي التراجع, فما كان منهم إلا أن اتجهوا بالجري بسرعة نحو كوبري6 أكتوبر للصعود إليه من خلال السلم الموجود هناك, ولم يكن من أحد من الشرطة هناك عليها. وسرعان ما امتلأ كوبري أكتوبر بآلاف من الذين صعدوا إليه للتوجه نحو التحرير! وعندما ذهبت في الاتجاه نفسه, تقابلت مع شقيقي د. طارق الغزالي حرب الذي كان هو الآخر مشاركا في المظاهرات. ولما كان الذهاب إلي التحرير سيرا علي الأقدام بالنسبة لي أمرا صعبا, فقد ركبنا تاكسي إلي أقرب منطقة عند هيلتون رمسيس, ثم اتجهنا سيرا إلي ميدان عبدالمنعم رياض في اتجاه التحرير. وأذكر أننا تقابلنا في ذلك الحين مع مجموعة أخري من النشطاء السياسيين الذاهبين أيضا إلي هناك, أتذكر من بينهم أيمن نور, ومجموعة من أنصاره, وأحاط بنا في الطريق مجموعات من المخبرين, الذين كان يسهل التعرف عليهم في ذلك الحين.
ولم يكن مساء25 يناير أقل في إثارته وصخبه من صباحه وظهره, فقد بدا واضحا أن عجلة الثورة قد دارت, وأنها لن تنتهي من دورانها ألا بتحقق أهدافها. وأتذكر أنني وقفت لأخطب في المحتشدين في الميدان في المنطقة المواجهة لباب اللوق قرب مدخل طلعت حرب, ولكن الصخب كان شديدا, مما اضطررنا إلي الحصول علي ميكروفون من النوع الذي يعمل بالبطاريات من أحد محلات الإلكترونيات في باب اللوق, اشتراه الناشط السياسي عضو الحزب- أحمد عيد. وأذكر يومها أنني خاطبت الجماهير المحتشدة في ذلك المكان: نحن نحتشد اليوم في ميدان التحرير.. وتذكروا أن هذا الميدان سوف يكون علامة علي تحرير مصر إلي الأبد.
ومساء اليوم التالي(26 يناير2011), كنت ضيفا في برنامج العاشرة مساء مع أ. مني الشاذلي( مع حسام بدراوي, ومجدي الجلاد). في ذلك اليوم, تدخل الإعلامي عماد أديب تليفونيا, وطلب من كل الحاضرين أن يوجه كلمة إلي الرئيس مبارك في تلك الأيام الصعبة! فقلت إنني أطلب من الرئيس مبارك أن يبادر علي الفور, ويعلن في بيان إلي الشعب أنه لن يرشح نفسه لفترة رئاسية تالية, وأنه قرر منع ابنه من مزاولة أي نشاط سياسي, وأنه لا يوافق علي ترشحه مكانه! غير أن هذا لم يحدث بالطبع, ودارت عجلة الثورة في طريقها المحتوم