عرض المقالة :خصخصة الوطنية المصرية.. بقلم : أحمد عز الدين
المقالات | خصخصة الوطنية المصرية.. بقلم : أحمد عز الدين
خصخصة الوطنية المصرية.. بقلم : أحمد عز الدين
قلت لنفسي وأنا أحاول أن أطرد الأشباح ، التي كانت تحرضني على الاستراحة من الكتابة ، بحجة عدم الجدوى ، ما دامت رسالة الكتابة – أولا – موصولة بأصول الثقافة الوطنية ، وبالمصالح العليا للوطن ، وبالحاجات الملحّة عند القاعدة الاجتماعية العريضة من الناس ، فحسب ذلك لأن الوظيفة الأساسية لها هي التعبير.
لكن الإجابة بدت لي ناقصة و بدت لي مبتورة.
وقلت لنفسي – ثانيا – إذا لم تكن وظيفة التعبير كافية ، فإن جدوى الكتابة ، قد يتوقف على قدرتها على التفسير ، ومادمنا نخضع الظواهر الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لبحث معمّق ، فإننا ننتهي إلى إشاعة تفسير علمي لها ، يطرد عفاريت ما وراء الطبيعة ، وحسب الكتابة أن تفتح ما يبدو منغلقا ، وأن تربط ما يبدو منفصلا ، وأن تزيح كثبان الرمل عن عيون الماء .
لكن الإجابة بدت لي ناقصة و بدت لي مبتورة.
وقلت لنفسي – ثالثا – إذا لم تكن وظيفتا التعبير والتفسير كافيتين ، فإن جدوى الكتابة بنظرة مستقبلية ، قد يحيط بدور آخر هو التسجيل ، ومادمنا نسجّل الوقائع بصدق ، ونسجّل المواقف بوضوح ، فسوف يأتي من بعدنا من ينقّب في متحف الكتابة المفتوح ، ليعيد بالنظر الدافئ إلى الحبر نبض الحياة ، وحسب الكتابة في أوراقها المحنطّة أن تستعيد حياتها في كل مرة أن تجد يدا تنفض عنها غبار الزمن ، لتكون تسجيلا حيّا لتاريخ لم يعد قائما ، ولمواقف هناك لم يعد أصحابها هنا .
لكن الإجابة بدت لي ناقصة و بدت لي مبتورة.
أعتقد جازما أن وظيفة الكتابة ، لو توقفت عند حدود التعبير ، أو عند حدود التفسير ، أو عند حدود التسجيل ، فإنها ستبقى تعبيرا مجديا عن اللا جدوى ، لأن الكتابة كالثورة ، فعل من أفعال التأثير ، وعمل من أعمال التغيير ، وإذا لم تحقق نتائجها في حقل الواقع ، على نحو محسوس ، إما أن ترتد إلى صاحبها كما يرتد الصدى ، ولكن في شكل موجة مزلزلة ، وإما أن تأخذ مسار صواريخ الدفاع الجوي ، التي تفجّر نفسها في الفضاء وتتحول إلى شظايا ، عندما لا تصيب أهدافها وتحقق مراميها .
مع ذلك فإن علينا أن نكتب ، حتى لو بدا أن ما نقوم به هو مجرد تعبير مجد عن اللا جدوى ، لأن الكلمات تمرق في فضاء مزدحم كالأسواق الشعبية ، كل يعرض بضاعته ، وكل يبحث عن سلعته ، لكن حدود الكلمات المسموعة في ضجيج الأسواق – للأسف الشديد – هي التي تدور فقط في فلك مغلق من المساومة والعرض والطلب .
♦♦♦
إن الوعي الذاتي ، أو الوعي المغلق بالذات – على نحو أدق – لدى كل جماعة سياسية أو دينية ، أو ائتلاف ، أو تجمع اقتصادي أو اجتماعي ، أصبح سلاحا قويا موجها إلى الوعي التاريخي ، الذي يشكّل وحدة الجماعة الوطنية ، وهذا هو الجوهر الحقيقي للمعضلة التي تواجهها مصر ، بعد عام كامل على ثورة شعبها غير المسبوقة في التاريخ ، فالثقافة الاستراتيجية لشعب من الشعوب ، هي التعبير في زمن معيًن عن الذاكرة التاريخية ، وفي قلبها الذاكرة العسكرية باليقين ، وإذا ما تعرضت الذاكرة التاريخية ، لمحنة التجاهل أو الطمس أو التلاعب ، بوضع مراحل التاريخ الوطني في تناقض ، أو وضع معاركه في تقاطع ، أو وضع الخصوصية الوطنية في محاليل الإذابة ، أو وضع التاريخ الذاتي لحزب أو جماعة أو فصيل ، في مواجهة الوعي التاريخي للشعب ، فإن ذلك يعني تحويل نظرية الأمن القومي ، إلى حائط مستحدث يُشبه حائط برلين ، ينبغي توظيف كل المعاول لهدمه ، كشرط أساسي للانتقال إلى مرحلة مختلفة .
قد تتساءل مندهشا عن معنى هذا الكم الهائل ، من الخطابات الهابطة والتعليقات المبتذلة ، التي توجّه إلى الجيش المصري ، والتي لم يحدث بالمقارنة أن وجهها جمهور عربي إلى الجيش الإسرائيلي ، وهو يسكر منتشيا بدماء المصريين .
ولكن مهما تعددت الأسباب معلومة أو مجهولة ، وتنوعت الأفواه مُضَللة أو مستأجرة ، فلن تجد غير معنى واحد ، يتعلق بالذاكرة الوطنية وبالوعي التاريخي ، لأن المطلوب تحديدا هو بناء ذاكرة مزيفة بديلة ، وإشاعة وعي ذاتي ملفّق بديل .
إن هناك مظاهر فوضى عارمة فوق المسرح السياسي بالفعل ، ولكنها ليست فوضى عشوائية ، وإنما هي فوضى منظمة ، تريد مع سواها من الظواهر ، التي تضع على وجهها القبيح قناعا زائفا للثورة ، أن تأخذ الدولة نفسها إلى حالة أخرى منظمة ومدروسة من الفوضى الشاملة .
لقد تفجّرت الثورة بقوة دفعها الشعبية الهائلة ، لتزيح النظام القديم وتعيد بناء نظام جديد ، يتسق مع أهدافها المشروعة ، التي جرت نشيدا موحدا على ألسنة الملايين ، ولكنها لم تقم لإزاحة الدولة أو لهدمها ، أو لتجريدها من نظرية أمنها القومي ، أو تغيير قواعد هذه النظرية ، فهذا أمر لا تنقلب عليه الثورات ، وإنما تدعمه وترممه وتقويه .
لكن الحاصل بوضوح شديد ليس كذلك ، وإلا أي معنى لدعوات إعادة نشر علم ما قبل ثورة 1952 ، على أنه علم ثورة 25 يناير ، بحُجة أنه علم التحرير وإنهاء الاحتلال البريطاني لمصر ، مع أن الحقيقة أنه علم النظام الملكّي ، وعلم مرحلة الاحتلال البريطاني لمصر ، لأن علم التحرير الحقيقي هو العلم الذي يرفرف الآن في آفاق مصر ، فالاحتلال البريطاني لم يحمل عصاه ويرحل ، إلا بعد أن أجبرته ثورة يوليو على الرحيل .
لكن الهدف الحقيقي لكل أولئك الذين يتزاحمون في مقدمة المسرح السياسي ، ليس الألوان المطبوعة على قطعة من القماش ، وإنما المطلوب فصل هذه القطعة الحية من التاريخ وإزالتها ، كأنها سقطت في البحر سهوا ، ثم وصل منتصف القرن الماضي ، ببداية العقد الثاني في القرن الحالي ، لكي يكتسب مشروعهم مشروعية الاستقواء على غيره ، وإغلاق ساحة العمل الوطني عليه وحده ، والمطلوب تحديدا لذلك هو استعادة الماضي ، ولكن باسم المستقبل ، والمطلوب تحديدا هو تجريد الدولة المصرية من مبررات وجودها .
♦♦♦
لقد رمت أمريكا خطافها على الجميع ، وأمسكت بما استطاعت أن تمسك به ، وإذا كانت قد أمسكت بعناصر هذه الفصائل المضادة ، التي اندفعت للاصطدام بالجيش ، والتي تعِد بحريق كبير في ذكرى ثورة الخامس والعشرين من يناير ، بواسطة سلاسل قوية من التمويل والتدريب ، فإنها أمسكت بغيرهم ولكن بخيوط من حرير ، بعضها وعود مشتركة ، وبعضها وعود مرجأة ، ثم أن بعض هذه الخيوط ليست ظاهرة ، وليست مباشرة ، لقد لجأ – مثلا – حزب الحرية والعدالة ، إلى حزب العدالة والتنمية في تركيا ، لإعطائه دروسا في وسائل الدعاية الجماهيرية للحزب قبل الانتخابات البرلمانية ، وكان له ما أراد فقد بسط الحزب الإسلامي التركي أمامه أساليب وأدوات الدعاية القادرة على استقطاب الناخبين ، لكن الخبرة التي حصل عليها حزب الحرية والعدالة في هذا الشأن – سواء عرف بذلك أو لم يعرف – لم تكن خبرة تركية خالصة ، وإنما كانت خبرة ثلاث شركات دعاية أمريكية كبرى قُدمت إليه ، استعان بها الجانب التركي .
وهناك – مثلا – معلومات تفيد قيام حزب الحرية والعدالة ، بإعداد مشروع لخصخصة الصحف القومية وأجهزة الإعلام المملوكة للدولة ، وهو مشروع يتطابق – سواء عرف بذلك أو لم يعرف – مع سعي أمريكي جامح على امتداد سنوات مضت لتحقيقه ، وحسب وثائق متعددة نشرتها " ويكيليكس " في شكل برقيات من السفير الأمريكي الأسبق " فرانسيس ريتشارد دوني " إلى الخارجية الأمريكية ، يفيد بعضها أن أمريكا خصصت 16 مليون دولار لبرنامج خصخصة الصحف القومية ودعم الإعلام الخاص ، ويفيد بعضها على لسان السفير الأمريكي المذكور ، بالنص : " من أهداف الاستراتيجية الأمريكية في مصر خصخصة قطاع الصحافة والبث التليفزيوني " ، وإذا كانت الاستراتيجية الأمريكية في هذا الإطار ، تستهدف الهدف السابق نفسه ، وهو تقزيم الدولة المصرية ، وإفقادها مبررات وجودها ، فهل هو هذا هدف الإخوان المسلمين ، أم أن العائد الذي ينشدونه مختلف ، رغم تلاقيهم فيه مع الاستراتيجية الأمريكية في مصر ، وإذا لم يكن هدفهم تقزيم الدولة ، كما يسعى الأمريكان ، فلا بديل عن أن يكون هدفهم كامنا في إطار نظرية التمكين ، أي بوضوح ، إحلال الجماعة محل الدولة .
تستطيع أن تفهم ذلك بشكل أعمق ، في حدود ما تناقلته الأخبار ، عن تكليف الجماعة للسيد " خيرت الشاطر " نائب المرشد ، بأن يضع مشروعا للنهضة المصرية ، استنادا إلى تجارب ماليزيا وتركيا وجنوب إفريقيا ، وغيرها من الدول ، والمدهش في ذلك ليس فقط أن مشروعا للنهضة المصرية ، لا يمكن أن يستورد أو يستعار ، وليس فقط ، أن فردا أيا تكن قدراته وإمكانياته ، لا يمتلك القدرة على انجازه ، أو أن مشروعا للنهضة المصرية لابد أن تخصّب ملامحه بنبض عقل وطني ، وفي إطار الجماعة الوطنية كلها ، بل أن كل هذه التجارب دون استثناء ، استعانت بخبرات وطنية مصرية ، في مفاصل أساسية في بناء مشروعاتها ، لكن الجماعة وليس الحزب ، تريد أن تضع مشروعا على مقاسها ، وعلى قدر مصالحها ، وفي الإطار ذاته : التمكين الكامل لذاتها في المجتمع ، أي إحلال الجماعة محل الدولة .
المدهش ، أن الجمعية القبطية الكندية ، وهي جمعية يفترض من اسمها أنها لا تتلامس ، لا مع السياسة ولا مع الاقتصاد ، نظمت قبل شهور ندوة ، شارك فيها 500 من رجال الأعمال المصريين ، أُشترط على كل منهم أن يدفع 1000 جنيه مقابل حضور الندوة ، أما المحاضر الوحيد في الندوة فكان السيد / خيرت الشاطر ، وأما موضوع المحاضرة ، فكان رؤية الإخوان المسلمين للنظام الاقتصادي في مصر بعد الثورة .
قبلها وفي شهر نوفمبر من العام الماضي ، كانت " وورلد يولينكس ريفيو " قد أصدرت دراسة أوردت : " أن مصالح الولايات المتحدة ، حسب رؤية إدارة أوباما ، في وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر وسواها من الدول العربية ، شريطة موافقة الإخوان على الحفاظ على الخطوط الأساسية ، التي أرساها نظام مبارك في التعاون مع واشنطن ، حتى لا تفقد أمريكا الدعم الذي كانت تحظى به في مصر " .
♦♦♦
أما هذا المشهد الأخير لأول اجتماع تُفتتح به الغرفة الأمريكية المصرية أعمالها ، فهو ناطق بأنه أول اجتماع يصطف على منصته ممثلوا الأسماك الكبيرة في بركة الانتخابات ، ليقدموا رؤاهم في مناظرة اقتصادية ، و يُخيّل إليك عندما تتفرس في الكلمات والرؤى ، أن الجالس على المنصة هو شخص واحد ، وأن المتحدث هو شخص واحد ، وأنه تحديدا د. عاطف عبيد رئيس الوزراء الأسبق ، لا من حيث الخطاب العام فحسب ، بل على مستوى التضاريس والتفاصيل .
لقد كان أبرز ما أضافه السيد ممثل حزب الحرية والعدالة ، إلى ما بدا أنه الإجماع المشترك على احترام " السوق الحر " ، هو أن حزب الحرية والعدالة يتبنى المشاركات بين المستثمرين والدولة لعبور فجوة العجز ، باللجوء إلى التمويل الذاتي واجتذاب المستثمرين العرب بدخولهم في مشاركات مع الدولة بنظام "B.O.T" .
وأذكر أنه في الأيام الأولى لحكومة عاطف عبيد ، التي جرفّت الاقتصاد الوطني ، وكادت أن توصله إلى حالة السكتة الدماغية ، أن تحدّث أحد وزرائها بحرارة مماثلة ، عن تشجيع المشروعات التي تعمل بنظام "B.O.T" ، لأنها تدفع العبء عن كاهل الدولة في الاستثمار في محطات الكهرباء والمياه والطرق ، وأذكر أنني كتبت ردا مفصلا عن سلبية هذا النظام ، في خلق ضغوط متزايدة على العملة الوطنية ، وفي نزح العملة الأجنبية إلى الخارج ، وفي استحواذ الأجانب على الأصول الوطنية ، إضافة إلى الأعباء التي يضيفها على أسعار سلع الخدمات الأساسية ، التي تقدم لجمهور عريض من المصريين الفقراء ، ودون سقف واضح ، وقد كان العرض من أوله إلى آخره ، طلبا أمريكيا إلى الحكومة المصرية آنذاك ، ثم عاودت الحديث مرغما عن خطورة فتح الباب أمام هذا النمط من المشروعات ، دون ضوابط لتمويله ، وضوابط لاستثمار عوائده ، وضوابط لسقفه الزمني ، وقلت بالحرف الواحد ، أنه إذا استمر اعتماد هذا النمط على حاله ، فسوف نضطر مستقبلا إلى إخراج الأجانب بالقوة من محطات الكهرباء والمياه ، والصرف الصحي ، كما اضطررنا إلى إخراجهم عام 1956 من قناة السويس.
ولقد كان لمنظومة القوة في الدولة المصرية عندها ، فضل الضغط على السلطة التنفيذية ، لإغلاق ملف هذا النمط ، لما سيلحقه من أضرار وخيمة على الأمن القومي لمصر .
أما حزب المصريين الأحرار ، فقد تحدث بحرارة عن اقتصاد السوق و الاقتصاد الحر ، محددا دور الدولة في دوران الاقتصاد دون المشاركة فيه ، بينما رأى ممثل حزب الوفد ، أن المشروع القومي الذي يجب أن يتوافق عليه جميع القوى ، يتحتم أن يكون مشروعا زراعيا ، إضافة إلى ضرورة الاهتمام بقرارات الاستثمار على حد تعبيره ، أما ممثل حزب النور فلم يعرض برنامجا ، وإنما قدم صورة بلاغية عن كوب لبن دافئ لطفل قبل النوم ، ومقعد له في المدرسة ، وسرير في المستشفى ، وإن كان أفضل ما قيل في المناظرة كلها قد جرى على لسانه ، بإعلانه رفض مشروعات الخصخصة .
وقد أضاف أحد الليبراليين غير الحزبيين من أعضاء المجلس ، صورة بلاغية أخرى ، عن الوضع القاتم الذي تزداد فيه معاناة المستثمرين ، والصعوبات التي يواجهها رجال الأعمال .
لا كلمة واحدة عن الصناعة ، ولا كلمة واحدة عن التنمية الحقيقية المستقلة ، ولا كلمة واحدة عن أوضاع ومصالح القاعدة الاجتماعية العريضة ، التي تحمل على ظهرها أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ، أحجارا وأثقالا تنوء بحملها العصبة أولي القوة ...
♦♦♦
لقد تغيرت طبيعة الاصطفاف ، الذي جرت على قاعدته الانتخابات البرلمانية ، كان الاصطفاف أيديولوجيا وطائفيا ، وكان الانتخاب والاختيار على قاعدة أخلاقية لا سياسية أحيانا ، وعلى قاعدة طائفية لا وطنية في أحيان أخرى .
أما الآن فإن الاصطفاف يأخذ مجرى آخر تماما ، حيث يتم على قاعدة اقتصادية اجتماعية ، والواقع أن النظام العام في المجتمع ، لم يغادر بعد طبيعته السابقة ، باعتباره مرتهنا بجماعات الضغط ، لكن الكتلة الجديدة التي تتخلّق ، باعتبارها أقوى جماعات الضغط ، على سطح المجتمع وفي البرلمان ، تتشكّل من ائتلاف واضح ، بين جماعات الضغط ذات المرجعية الدينية المرتكزة على السوق الحر ، وجماعات الضغط المنظمة التي تتشكّل من القوى الاقتصادية المسيطرة ورجال المال ، وجماعات الضغط ذات المرجعية الليبرالية ، التي يشكّل السوق الحر والليبرالية الجديدة ، عنوان توجهها الرئيسي .
وجميع هذه القوى ، تشترك في أهداف تكتيكية واحدة ، رغم تباين الهدف الاستراتيجي لكل منها ، فإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين ، ترى في دورها المركزي في هذا الائتلاف الواسع ، ما يحقق لها هدفها الاستراتيجي ، وهو أن تحل نفسها محل الدولة ، فبقية القوى في هذا الائتلاف الواسع ، تعبّر عن مصالحها الذاتية ، المندمجة حتى الذوبان في مصالح رأس المال العالمي والقوى المسيطرة إقليميا ودوليا ، غير أن السمة الواضحة التي تشد خيوط هذا الائتلاف ، رغم تباين الأهداف و الاستراتيجية لأطرافه ،هي الموقف الواحد من الدولة المصرية ، أي السعي المشترك لإنهاء مبررات وجودها ، سواء بالإحلال الذاتي ، أو بالإحلال الأجنبي المشترك ، وهي إبقاء المعادلات الاقتصادية و الاجتماعية للنظام السابق ، مع تحالفاته الاستراتيجية على حالها ، وهي طرد منظومة القوة في الدولة من كافة المعادلات السياسية للبلاد ، أي إبقاء النظام في صورة أكثر تدنيا ، مع تغيير قواعد الدولة ، بما في ذلك نظرية الأمن القومي .
وإذا كان هذا الائتلاف ، يُمثّل الفك الأول للكماشة ، التي تقصد بصلافة أحيانا ، وبنعومة أحيانا ، الجيش المصري ومجلسه الأعلى ، فإن الفك الثاني يمارس دوره على الجانب الآخر ، بخشونة واضحة ، ودعاية مبتذلة ، وصدام مادي مباشر ، لكن الدائرة تبدو مكتملة على هذا النحو ، فالأيدي التي تصُب الطاقة في آلة الضغط عبر الفكّين واحدة .
يبقى على الساحة الوطنية الواسعة ، ما هو خارج هذا الائتلاف ، وما يكاد أن يكون ائتلافا بديلا ، ولكنه موزع ومفكك ، ونواته الصلبة يغلب على سلوكها ، منهج التهدئة لا منهج التعبئة ، وهو الائتلاف الأكثر اتساعا في مصر من شرائح الطبقة المتوسطة ، التي أسقطتها السياسات نفسها إلى قاع السلم الاجتماعي ، ومن القواعد الاجتماعية المنتجة العريضة من العمال والفلاحين ، ومن الأجيال الجديدة التي تريد أن ترمم أفق مستقبلها المخطوف ، برغيف خبز ، وفرصة عمل ، وهذا الائتلاف الواسع في المجتمع ، ينعكس صورة مباشرة كالمرآة ، على بنية القوات المسلحة ، ومنظومة القوة في الدولة المصرية ، وبالتالي فهي جزء من بنيته وتكوينه .
إن الثورة لم تقم من أجل أن يحصد رجال المال ، مزيدا من المكاسب باسم قداسة السوق الحر ، ومن تحقيق مزيد من الانكشاف ، باسم الاندماج في الخارج ، ومن الانحياز إلى السفح الضيق على قمة الهرم الاجتماعي ، على حساب قاعدته العريضة ، ومن التحول من احتكار الدولة إلى احتكار القلة ، ومن سيادة وطنية مقيدة ، إلى سيادة وطنية مستباحة ، ومن الدولة المركزية ، إلى الجماعة المركزية.
♦♦♦
مفصل عبور صعب ، في وضع إقليمي ودولي أكثر صعوبة ، لكن الأمر البالغ الوضوح ، أن مصر مطالبة بأن تخرج من هذا المأزق ، الذي دُفعت إليه ، بأقل قدر من الخسائر ، وأكبر قدر من الأرباح.
إن جزءا من وظيفة الجيش المصري ، هو حماية الحدود ، ولكن حماية الكيان الوطني ، دولة ، وأمنا قوميا ، يدخل في صلب وظيفته ، ووراء ذلك الشعار النابي المستورد " يسقط حكم العسكر " يختفي فضاء كامل ، من الفتنة والخراب والفوضى .
إن أهداف الثورة معلنة وواضحة ، وأي نظام جديد لابد أن يستمد شرعيته الحقيقية ، من تَمَثُله لهذه الأهداف قولا وفعلا ، وهو أمر مختلف عن استلاب الدولة ، وتغيير قواعد الأمن القومي ، والفاصل بين الأمرين ينبغي أن يُشهر كحد السيف ، والذين لن يتصدون بحزم لهذه المسئولية الوطنية ، لن يحميهم الشعب ، ولن يرحمهم التاريخ .